عبد الوهاب الشعراني

428

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

المحرمون مما ذكرنا استحقوا مواهب اللّه تعالى ، وفضله عليهم وفي الحديث : « من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » . فكأن المحرم يولد هناك ولادة جديدة ثم لا يخفى أن سبب دعوى الغنى والتكبر إنما هو الأكل فإنه أكل حجب فنازع الصفات الإلهية في الكبرياء والعظمة ودعوى الغنى فحرم بركة إمداده . ( فإن قيل ) : فما وجه تعلق بعض الناس بأستار الكعبة ؟ ( فالجواب ) : أن ذلك نظير تعلق الرجل بثوب صاحبه إذا كان بينه وبينه جناية ليصفح عنه ويسامحه وإلا فمن أدب الأكابر عدم التعلق بأستار بيت اللّه الخاص لما لا يخفى فقد كمل لآدم عليه السلام ، بالحج كمال مقام التوبة من أكله من الشجرة على ما قررناه وكذلك كمل لذريته بحكم التبع كمال توبتهم ، فمن لم يحج لم يحصل له كمال التوبة من حيث الذنوب الخاصة بالحج التي لا يكفرها إلا هو كما مر في الكلام على الوضوء والصلاة وإنما قلنا كمال التوبة ولم نقل لم تحصل له التوبة من أجل أن الندم وقع من آدم لما أكل من الشجرة وكذلك الحكم في كل مؤمن من ذريته لا بد من ندمه عقب المعصية أمر لازم لكل من رد إليه عقله بعد الزلة ومعلوم أن الندم هو معظم أركان التوبة لاستلزامه عادة وجود بقية الأركان وقد ورد أن آدم عليه السلام ، لما حج البيت قال : « يا رب اغفر لي ولذريتي » ، فقال اللّه عزّ وجلّ : أما أنت فقد غفرت لك ذنبك حين ندمت وأما بنوك فمن أتاني لا يشرك بي شيئا غفرت له ذنوبه فهذا كان أصل مشروعية الحج وتعلقه بالأكل من شجرة النهي كل حاج بما يناسبه يكفر عنه الحج ذنوبه كلها من الكبائر إلى خلاف الأولى . وأما وجه تعلق البيع والشراء وسائر المعاملات وتوابعها بالأكلة المذكورة فهو أن الإنسان إذا أكل حجب وإذا حجب حاف في البيع والشراء وغش وجار وظلم فشرع له البيع على الميزان الشرعي دفعا للحيف والجور فإن الإنسان إذا حجب ربما أكل أموال الناس بالباطل ضرورة وشرهت نفسه وكثر ظلمه واشتدت ظلمة باطنه ، ومن لازم ذلك كثرة محبة الدنيا حتى أنه يصير يتلقى الركبان ويبيع الناس بالربا ويمتنع من قرض المحتاجين إلا إن